رسالة إلى كل متحرش

بقلم د. إيمان بيبرس- الخبيرة الدولية في قضايا النوع والتنمية

تعودت عندما أمسك بقلمي وأشرع في كتابة مقال أن أكون هادئة وصافية الذهن تماماً حتى أستطيع ترتيب أفكاري وتسجيل ما يدور في ذهني ولكن هذه المرة لم أستطع أن أتحكم في أعصابي فأنا أكتب وبداخلي ثورة غضب لا توصف بسبب ما يحدث في بنات وفتيات مصر.


فبداخل كل فتاة مصرية حزن عميق وجرح لا يستطيع أحد أن يشعر به سواها مما تلاقيه في شوارع بلدها، فهذا طفل في عمر أبنائها يلقى عليها بوابل من الكلمات الخارجة والألفاظ الجنسية الجارحة، وذاك مراهق يستبيح جسدها ويمد يده "ليهبش" وينهش في جزء من جسدها، فمصر أصبحت ساحة كبيرة للمتحرشين وسؤالي هنا لأخي المتحرش -وهو بالفعل أخي لأنه شريكي في الوطن- ما الذي تشعر به عندما تلمس جسد فتاة لأقل من ثانية وبشكل غير آدمي تجرح فيه أنوثتها وطهارتها؟؟؟

أرجو أن يجيب أحد على...ما الذي تشعرون به يا معشر الرجال المتحرشين هل تشعرون بسعادة عندما تجرحون أخواتكم وأمهاتكم، هل تعلمون أن الفتيات والنساء اللواتي تتحرشون بهن يعانون من حالات نفسية سيئة لمدة أيام وربما شهور، هل تعلمون أنهن يبكين كثيراً ويلومن أنفسهن لأن مجتمعكم الذكوري لا يلقي باللوم على الجاني بل على المجني عليها.

كيف تستبيحون لأنفسكم أن تجعلوا من الأعياد الدينية مناسبات للتحرش ؟ ، كيف تخرجون من شهر رمضان الكريم وتؤدون صلوات العيد في المساجد ثم تخرجون لتنهشوا في أعراض شريكاتكم في الوطن؟ ، كيف جعلتم الأعياد مناسبات محرم على الفتيات الاحتفال بها ومن تجرؤ على النزول إلى شوارع بلدها لتحتفل مثل أي إنسان طبيعي بالعيد يتحول عيدها إلى كبوس مريع بسبب ما تلاقيه من مضايقات وتحرش في شوارع ومنتزهات بلدها.

كيف تحرمون الفتاة من حقها في التظاهر والمشاركة في صنع الوطن الجديد الذي طالما حلمنا به ؟، كيف تجعلون من ميدان التحرير مكاناً لارتكاب جرائمكم ضد شريكاتكم في الوطن التي كانت تقف جنباً إلى جنب معكم لتعضدكم وتهتف بسقوط النظام السابق؟؟ هل نسيتم أم تناسيتم؟ فأنتم تحرمون آلاف الفتيات من ممارسة حياتهن الطبيعية وممارسة حقوقهن الاجتماعية والسياسية بسبب تصرفاتكم الدنيئة وبسبب عدم قدرتكم على فهم معنى الرجولة الصحيح ولأنكم للأسف لا تعلمون دينكم.

ولكن في هذا الصدد خصيصاً لا أود أن ألقي اللوم على المتحرشين فقط بل ألقي باللوم على رجال الدين والمفكرين والكتاب والإعلاميين والآباء والأمهات الذين يرون أن الفتاة هي السبب في التحرش الواقع عليها ، فهم يرونها مذنبة إما بطريقة ملبسها أو لأنها تضع مساحيق التجميل أو لأنها تود أن تشارك في المظاهرات ، أو لأي سبب غير مبرر بأي حال من الأحوال.

وأخص باللوم على وسائل الإعلام فمن خلال قيامي برصد تناول عدد من الصحف والمجلات لقضية التحرش الجنسي وجدت أن الصحف والمجلات على اختلاف أنماط ملكيتها سواء كانت حكومية أو خاصة أو حزبية وقفت عند مرحلة الرصد فقط حيث كان الاهتمام بالتحليل والتحقيق في قضية التحرش الجنسي محدوداً جداً فنسبة التحقيقات والحوارات المنشورة حول هذه القضية ضئيلة جداً مقارنة بنسبة الأخبار والتقارير، مما يعكس عدم اهتمام الصحف والمجلات المختلفة بتحليل القضية وشرح جوانبها المختلفة للمجتمع حتى يعرف ويعي الجميع أن الفتاة ليست هي المخطأة وليست هي السبب بل وأيضاً لا يوجد أي مبرر للمتحرش لينتهك أجساد الفتيات.

وأود هنا أن أؤكد على أن دور وسائل الإعلام لا ينبغي أن يقتصر على الرصد ونقل الواقع بل الدور الأهم هو محاولة تنمية المجتمع والتصدي للظواهر السلبية ولا سيما هذه الظاهرة الغريبة على مجتمعنا وعلى ديننا، ويجب أيضاً أن نقول لجميع الفتيات أنهن غير مذنبات فمهما ارتدت أو اهتمت بنفسها هذا ليس مبرراً أن يتعدى عليها أحداً أو أن يستبيح أحد جسدها الذي خلقه الله، فإذا كانت الفتاة جميلة أو قبيحة هي غير مسئولة عن هذا فالله سبحانه وتعالى خلقها على هيئتها هذه وطلب منك أيها الرجل أن تغض بصرك، فكيف يخرج علينا بعض الشيوخ والذين أشك في كونهم شيوخاً ويدلون بتصريحات تفيد أن الفتيات هن المتسببات في ظاهرة التحرش!

أليس أولى يا سيدي أن تأمر الشباب بأن يلتزموا بغض البصر؟ ، أليس من الأفضل أن تطالبهم بأن يحترموا حرية الآخرين ؟ ، ثم لماذا عندما يسافر هؤلاء الشباب إلى الخارج ويرون الفتيات شبه عرايا في الشوارع لا يستطيعون أن يرمقوهم حتى بالنظر..هل تريد أن تعلم؟ لأنهم يهابون النظام والقانون ويخافون على لقمة عيشهم.

كيف يا مصري تخاف على لقمة عيشك أكثر من خوفك من ربك؟ ، كيف تصون كرامة غيرك خارج وطنك وتهين وتستبيح بنات وطنك؟ ، هل تعلم يا متحرش أنك إذا سألت أختك أو أمك أو زوجتك ستجدهم قد تم التحرش بهم مرة على الأقل حتى إذا كنا لا يبارحن المنزل وحتى إن كنا يرتدين النقاب، فأنا أراهن على أنه لا توجد فتاة واحدة في مصر لم يتم التحرش بها سواء كان بنظرة أو بكلمة أو باللمس.


كنت أتخيل عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير أن ظاهرة التحرش الجنسي ستختفي ولكن للأسف وجدت أن المتحرشين لم يصبحون قلة في الشارع المصري بل أصبحوا مجموعات منظمة من المأجورين لإلهاء الشعب عن السياسة ولإبعاد المرأة عن الحياة السياسية بل والحياة بأكملها إن أمكن، وفي النهاية لا عزاء للقيم والأخلاق.

هناك تعليق واحد:

  1. https://www.facebook.com/pages/%D8%A7%D8%AD%D9%85%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D8%A8%D8%AF%D9%84-%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D8%B4-%D8%A8%D9%8A%D9%87%D8%A7/540065346007814?hc_location=timeline

    واتمنى من حضرتك ان كان فى حساب على الفيس ياريت طلب صداقه

    ردحذف